أيام الفن

«بورصة سورية» لأسوأ أعمال فنية!

غالبا لا يتابع الجمهور السوري كل الأعمال الدرامية التي تعرضها عشرات المحطات الفضائية في موسم واحد، لكن ومع تكرار عرض المسلسلات في عروض ثانية وثالثة على محطات مختلفة، لا بد وأن نتعثر بعمل نظن للوهلة الأولى أنه جديد أو أنه «مدسوس» بين الأعمال السورية، لكن ما أن نتابع الحلقة الأولى ونشاهد تتر العمل حتى نكتشف أنه عمل حقيقي وأبطاله نجوم سوريون أرادوا أن يضيعوا ما حققوه من نجاح طيلة مسيرتهم الفنية في عمل ساذج وسطحي وغالبا مقابل المال.

ليست المرة الأولى التي نشاهد فيها سقطة للكوميديا السورية ونجومها، لكن تكرار اختيار المشاركة في أعمال هابطة أمر يثير الاستغراب، خاصة أن بعض نجوم الكوميديا شارك في أعمال هابطة فنيا على صعيد النص والإخراج، ربما حان الوقت لتصنيف أسوء ثلاثة أعمال طالما بتنا غير قادرين على صناعة أعمال جيدة، تكون مؤهلة للتصنيف ضمن أفضل الأعمال.

مع مسلسل «الطواريد» تأليف مازن طه، إخراج مازن السعدي وإنتاج كلاكيت للإنتاج بالشراكة مع تلفزيون أبو ظبي، نشاهد كيف يتم تحطيم كل ما يتعلق بالتراث العربي سواء أمثال وحكم أو شعر جاهلي أو موزون، وكأن الحياة خلت من مواقف كوميدية باستثناء التراث العربي، حتى يتم اللعب بسخرية عليه، الفكرة ليست جديدة تماما فهي تقليد لإسفاف بعض الأعمال المصرية التي تعتمد في حواراتها على اللعب في الكلمات والمفردات المتداولة، لكن الفرق أننا نشاهد هذا اللعب في الأفلام السينمائية المصرية فقط، وبنسبة قليلة جدا في الدراما التلفزيونية، بينما اعتمد نص الطواريد بالكامل على هذا النوع الجديد، عبر حكاية ساذجة وأضاف عليها اللهجة البدوية التي لم تكن موفقة، مع الأسف، فأغلب الحوارات اختلطت بين اللهجة الشامية واللهجة البدوية، وكأن الممثل حر من أي متابعة إخراجية.

ربما يكون هذا المزج مقصودا وهو ليس مجرد خطأ، (فالفنتازيا) الجديدة التي تضع السيارة جانب الخيمة وأنثى الماعز، تجيز كل شيء وبهذا المزج يتم تحطيم كل قواعد العرض والمنطق ولا يوجد فرق بين الكوميديا والإسفاف، حتى التهريج كفن لم يستطيعوا بلوغه، نحن مع صناع الكوميديا السورية، ونؤمن بأن صناعة الخطأ بقصد تحريض الضحكة جائز، لكن بشرط أن نقدم الخطأ بشكل صحيح ومدروس حتى نصل إلى موقف كوميدي.

 لن تساهم الكلمات البذيئة والألفاظ النابية والحركات البهلوانية، أو حركات الأطفال الأشقياء كالركل والرفس والضرب، بتحقيق الضحكة المنشودة إلا على مستوى فئة عمرية معينة، لا تتجاوز المرحلة الابتدائية، فكيف إذا كان العمل يخلط بين الكوميديا والفانتازيا، والبيئة البدوية والأداء الكاريكاتوري، والقصة «الولّادية» شكل جديد لا أعتقد أنهم وفقوا في اختياره، خاصة أنه جمع بين الفروسية والهزل والحكمة والمثل وتحطيم كل أصالة.

السؤال؛ من يفرض هذه الوصفة التي أرادها تلفزيون أبو ظبي؟ فاتنات سوريات من وزن «مديحة كنيفاتي، نسرين طافش، جيني إسبر، مرح جبر»، مع عدد من نجوم الكوميديا الشباب الذين أجبروا على إضاعة مواهبهم في ثرثرة وتكرار ممجوج، والقيام بحركات بهلوانية تارة وكاريكاتورية تارة أخرى، لإضحاك شعوب لا تعرف أن تميز حتى الآن بين الكوميديا والتراجيديا.

ليس «الطواريد» التجربة الأولى الفاشلة للكوميديا السورية، فقد سبقه «حمام شامي» للكاتب كمال مرة و إخراج مؤمن الملا، وقد حصل على درجة سيئ بامتياز، وكان من إنتاج الإمارات وصوّر في الإمارات العربية المتحدة، بعد أن تم بناء حمام يضاهي الحمامات السورية الأثرية العريقة. وهناك مسلسل «صايعين ضايعيين»، سيناريو رازي وردة وإخراج مصطفى نعمو، بالطبع نذكر هذه الأعمال لاعتبارات عديدة أهمها مشاركة نجوم سوريين، كان لهم أثر واضح في تقدم الدراما السورية وبقائها في الصدارة لسنوات، إضافة إلى التكاليف الإنتاجية الضخمة، لكن هناك أعمال كوميدية كانت أسوأ بكثير لكنها بالطبع خارج نطاق البحث والتصنيف كونها أنتجت بأموال زهيدة وداخل شقة صغيرة أو أقبية أحد الأبنية، ولم يشارك فيها كتاب أو مخرجون أو نجوم لهم تاريخهم الفني.

بالطبع النقد والتصويب لن يغير في الأمر شيئا، فالمال هو سيد الموقف والنجم السوري صم أذنيه عن سماع أي نقد، ومنهم من شارك في عدة أعمال أبسط ما يمكن القول عنها إنها ساذجة وسطحية، ونجده يكرر التجربة ولا يعنيه ما يجمع في تاريخه الفني، والأدق ما يهدم من تاريخه. وربما يكون دليل على إفلاس البعض ماديا وفنيا، لكن هل هناك حلول لإنقاذ الدراما والكوميديا السورية بعد كل هذا الانحدار والفشل؟! غالب الظن أنها خطة ممنهجة لتدمير الدراما والكوميديا وبأموال عربية وبمشاركة نجوم سوريين، وبمباركة محطات حديثة تبحث عن أعمال ترضي جميع الأذواق باستثناء الجمهور السوري الذي جعل «عنزة مهاوش» آخر ابتكاراته وإبداعاته الفنية.

لؤي ماجد سلمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق