تحت الضوء

السوريون مجبولون على الانتظار منذ الأزل وحتى الأبد: جحيمــاً بعد جحيــم… «بانتظــار» الفــرج!!

لعل السوريين محكومون بالانتظار، وليس بالأمل – عذراً سعدالله ونوس – الانتظار منذ الأزل وحتى الأبد هو ديدننا، وهذا ما اكتشفته واكتشفه غيري كثيرون، الجحيم هو الانتظار»… هكذا يكثّف السوري مختزلاً الواقع، موصّفاً حاله ومآله…

السوريّون يعيشون اليوم مرحلة ما بعد الجحيم الحقيقي للانتظار بعدما انتظروا هدوء الحرب وهدأت، وتحلحل الأزمة بكل أحداثها منذ ثمان سنوات، منها ما أصبح أفضل ومنها ما زال قيد الانتظار، وضمن انتظارهم هذا هناك أشياء باتت أبشع من الجحيم.

انتظار الكهرباء والغاز

تخيّل أنك تنتظر كل يوم 5 ساعات وسط البرد والمطر لشراء أسطوانة غاز منزلي لتطبخ عليها بعضاً من الأرز أو القمح، باعتبار طهي اللحم لا يتناسب مع أزمة الغاز أو راتبك الشهري. وتنتظر انتهاء وقت التقنين الكهربائي لتقوم بأعمالك التي تعتمد في معظمها على الكهرباء. وتنتظر أن يهطل المطر وتجف الحفر من الماء كي لا تقع في إحداها وتكسر قدمك. هذا كلّه بعد تحرير الكثير من حقول النفط وتوقف الاعتداءات على محطات توليد الكهرباء، بعد أن كان كل ما سبق الحجة في انقطاع الكهرباء والغاز والأنفاس.

انتظار الدولار والباص… والمجيب الآلي!

السوريون أيضاً عاشوا جحيماً في انتظار موعد انخفاض الدولار ليتمكنوا من شراء الاحتياجات التي يزداد ثمنها مع ارتفاعه ولا ينخفض مع انخفاضه بقدرة قادر. بالطبع الموقف هنا أشنع لأنك تنتظر لمجرد أنك تنتظر ولا حلول بديلة. ومن الواجب أيضاً إذا كنت في اللاذقية الانتظار طويلاً في مركز شركة الاتصالات «سيرتيل» حتى يردد المجيب الآلي رقمك لتستفسر عن أمر ما، فالشركة التي تجني أرباحاً طائلة لا تستطيع افتتاح مركز ثان في المدينة، فهي ربما خاسرة ولا تستطيع تحمل نفقات مركز جديد لذلك قررت حصر جميع من في اللاذقية بمركز وحيد.

أما عندما تنتهي من الانتظار فعليك انتظار باص النقل الداخلي ربما يأتيك باصان مجتمعان ليقلّانك إلى وجهتك، وربّما عليك الانتظار نصف ساعة لتأتي حافلة محملة بأكثر من خمسين منتظر سابق على مواقف سابقة .

انتظار الغائبين والمغيبين

لا يقتصر الانتظار لدى السوريين على أمور خدمية تنغّص عيشتهم، إنما هناك انتظار أشد قهراً، فأم بشار ربّت ولدها «كل شبر بندر» وعلّمته وحرمت نفسها وأطعمته، وانتظرت حتى يكبر ليصبح فرداً فاعلاً في هذا المجتمع، إلا أن الواجب الوطني دعاه فلبّى، بعد سنتين فُقد بشار في معركة سقوط مطار الطبقة، والأم تعيش الجحيم منذ خمس سنوات، بانتظار خبر عن ولدها الذي بات في قوائم الدولة شهيداً، هذا الجحيم تحوّل إلى هوس بالعودة وسكّينا تحز قلبها بالذكريات والألم.

انتظار خبر… أي خبر

أبو علي والد شهيدين اثنين، والابن الثالث متطوع في الشرطة، أما الرابع فمعتقل لسبب أمني ينتظر خبراً عنه، هنا لا يتأمل الرجل الستيني عودة ابنه أو عدمها، إنما فقط ينتظر لمعرفة فيما إذا كان ابنه حياً أو ميتاً، الانتظار لدى أبي علي بات عادة يومية وروتينية، مثله مثل شرب التبغ المر رخيص الثمن، فهو اختراع سحري لحياة الجحيم، التي يعيشها الرجل المدمن على الانتظار.

انتظار… الجلطة!

هناك أيضاً انتظار يتخلله الشعور بالخوف، فأحمد تخرج منذ خمسة أشهر من كلية الهندسة المدنية، وينتظر منذ حينها منحة دراسية، ولديه شهر واحد قبل أن يحين موعد خدمته الإلزامية، يقول أحمد تطوعت خلال فترة دراستي بإحدى القوى الرديفة، واستشهد أخي في ريف دمشق، أما أخي الثالث فما زال يكمل دراسته الجامعية، وأمّي تعرضت لصدمة نفسية منعتها من السماح لنا بالخوض في شيء يعرض حياتنا للخطر. لذلك مع اقتراب انتهاء الشهر المتبقي يصبح الانتظار ممزوجاً بالذعر الشديد على قلب أمي من الجلطة وعلى مستقبلي من التدهور. كي لا أغوص في انتظار جديد وهو تسريح قد يطول انتظاره لثماني سنوات على الأقل.

 انتظار المجهول…»هناك»

سارة فتاة عشرينية مخطوبة من شاب يعمل في ألمانيا منذ ثلاث سنوات. تخرجت من كلية الهندسة الزراعية وتوظفت في إحدى دوائر وزارة الزراعة، وتسعى للسفر والعيش مع خطيبها الذي يحاول لم الشمل منذ عام، لكنه يفشل لأسباب تتعلق بالدولة التي يقيم فيها، ولا يستطيع العودة والعمل براتب سقفه 30 ألف ليرة، لا يكفي ثمن طعام لطفلٍ صغير قد ينجبانه، أما سارة فتقول «يبدو أن الانتظار لن يجدي نفعاً، وحدها خيبة الأمل التي أشعر بها اليوم».

أثناء الانتظار… ارتجال وترقيع

النائب في مجلس الشعب نبيل صالح أرجع الحال الذي يعيشه السوريون إلى الحرب التي لم تنته بعد، «وعلى الرغم من وجود خيبة الأمل التي باتت واضحة على معظم الشعب السوري، لكن لا يعني ذلك بأن الحكومة سيئة في كل شيء»، إلا أنه وصف السياسات المتبعة بأنها ارتجالية و»ترقيعية» ولا يوجد رؤية استراتيجية حتى الآن لمشاكل الشعب، على العكس يوضع حل لمشكلة ما فيخلق هذا الحل مشكلة جديدة. ويشير صالح إلى أنه إذا كانت الحلول على حساب مشاكل أخرى فلن يستفيد الشعب في شيء، لافتاً إلى أننا لا نملك حتى الآن مخططين كبار أو مستشارين، ولو وجدوا فهم لا يُستشاروا في شيء.

واستشهد النائب صالح بقرار وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك الذي قضي برفع سعر ربطة الخبز السياحي إلى 350 ليرة، وكيلو الصمون إلى 450 ليرة، وكيلو خبز النخالة إلى 300 ليرة، أي بزيادة مائة ليرة على كل نوع قائلاً: «باعتبار أن تسمية الخبز الجيد بالخبز السياحي هي تسمية مخاتلة، إذ لا سيّاح لدينا ليأكلوه، وإنما هو مأكول عامة الناس، بعدما بات خبز الأفران العامة رديئا وغير مرغوب لدى غالبية المواطنين، فإننا نرى في هذا القرار (سياسة عدوانية تجاه الشعب السوري)، وأن حكومتنا تحذو حذو تجارنا في رفع الأسعار بدلا من العمل على تخفيضها»، كما طالب وزارة التجارة الداخلية بإلغاء قرار رفع أسعار الخبز بأنواعه وعدم تعميمه، لأن المنطق يقول إن مثل هكذا قرارات يجب أن يسبقها إقدام الحكومة على رفع الرواتب والأجور.

بانتظار… اختراع العجلة!

أما الخبير الاقتصادي د. سعد بساطة فيقول «لا شك أن ما مر بسورية في السنوات السبع العجاف الأخيرة كان قاسيا جداً على كل من في البلاد، وكان الفضل فيها للجيش السوري الذي استبسل بالدفاع والتضحية، ومن خلفه الشعب السوري، ولكن بساطة يقول إن قدرة المواطن على التحمّل بدأت بالنفاذ، لاسيما ذوي الدخل المحدود بسبب سوء الخدمات والغلاء المستحكم والفساد المتفشي، إضافة للضعـف الذي أصاب البنى التحتية في كثير من المناطق».

 وأضاف «كلـنا نتفق أننا لسنا بصدد إعـادة اختراع العـجلة ولكن؛ دعـونا ننظر للأمم التي سبقتنا، فالأزمة وضعتنا في مواقف غير مسبوقة، لذلك يجب أن تكون الحلول غير تقليدية أيضاً، موضحاً أن ما يحتاجه السوريون ببساطة هو فريق عـمل مكوّن من فنيين يتّسمون بنظافة اليد، ويمنح لهذا الفريق مطلق الصلاحيات من الوزارات المعنية للتدخل واتخاذ القرارات اللازمة، دون العودة إلى لجان تقليدية أو السير بالطرق البيروقراطية، كونها تأخذ الكثير من الوقت والروتين، في وقت أحوج ما نكون فيه إلى حلول إسعافية، والأولويات في قطاعات الصحة والتعـليم وحل مشكلة الإسكان (لمن فقد بيته في الأزمة).

بساطة وصف ما تقوم به الحكومة من زيارات وجولات بـ «الاستعراضية وتسويف الحلول»، في حين أن المواطن بحاجة لبلسم شافٍ. متسائلاً هل نحن بصدد حل ناجع وسريع لمآسيه أم سنبقى نردد الشعـارات التي لا تعنيه في شيء… فماذا يفيد المواطن إذا كان مؤشر الليرة يرتفع والحفرة تكبر أمام بيته والرقع تزداد في بنطاله؟

خاتمة الانتظار… انتظار! على خيبة الأمل بات يحيا السوريون اليوم، بعد انتظار وصمود طالت سنواته، فهل من حكومة ترتقي لمستوى هذا الشعب؟ أم علينا تفصيل شعب على هوى قرارات الوزراء الذين يبدو أنّهم يعيشون في وادٍ غير الوادي الذي يعيش فيه السوريون؟

رمّاح زوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق