الغلاف

«من كبّر الحجر ما ضرب»: «مدن الأبراج» ليست مخصصة لساكني «الصفيح».. إعادة الإعمار… «بروباغندا» حكومية وتسويق دعائي للإيحاء بانتهاء الحرب!

ما إن تشاهد وتقرأ وتسمع كل الأحاديث والمؤتمرات والندوات عن إعادة الإعمار، حتى يخيل إليك بأن الدمار الهائل في البنى التحتية لم يعد موجوداً، وملايين اللاجئين والنازحين بدؤوا بالعودة إلى منازلهم بعد إعمارها، وأن الاقتصاد السوري تعافى من خسائره وعاد كأقوى اقتصاديات الشرق الأوسط، كما تحاول الحكومة وطبّاليها تسويقه.

 تنبهر مخيلتك أكثر عندما تشاهد الدعاية الترويجية لـ»ماروتا سيتي» عبر صفحتها على الفيسبوك بصور عن أبنية شاهقة فاخرة خيالية تسرّ من يراها، بأجود أنظمة التعليم والمساحات الخضراء والرفاهية العصرية، على الرغم من أن ذلك ليس إلا دعاية لمدينة لم تبن هياكلها بعد، وعلى بعد بضعة كيلومترات من المدينة الخيالية لا يزال ملايين الفقراء يبحثون عن رغيف الخبز ومأوى دائم لهم، في حين أن بعضهم بدأ يرمم بيديه منزله المدمر من دون أن يلتفتوا إلى حكومتهم التي وعدت بتعويضات عن الأضرار، بحسب ما نشرته لجنة إعادة الإعمار المكلفة من قبل مجلس الوزراء.

 عقدت اللجنة المذكورة 13 اجتماعاً دورياً منذ تأسيسها في عام 2012، وذكرت اللجنة أنها قامت بوضع الخطط والبرامج على جميع المستويات والقطاعات المشكلة للمجتمع السوري خلال الأزمة وما بعدها، وبأن من مهامها الموافقة على صرف قيمة التعويضات المستحقة عن الأضرار التي لحقت بالممتلكات الخاصة للمواطنين غير المؤمّن عليها في المحافظات، وهو ما لم يلمسه أغلبية المتضررين حتى اليوم، وذكرت أيضاً بأن من مهامها اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة تأهيل البنى التحتية والمرافق العامة، ومن مهامها أيضاً تمويل إنشاء وحدات سكنية للإيواء المؤقت، مهام يكاد من المحال تحقيقها في ظل عدم قدرة الحكومة لوحدها على التمويل، واستمرار الفساد الذي يمنع أي عملية حقيقة في ملف إعادة الإعمار، كما أن الحرب لم تضع أوزارها بعد، وما زال ملايين السوريين خارج البلاد كما أن القطاع الخاص السوري لا يزال يعاني من الروتين، ولا أفق نهائية للحل السياسي بعد.

  تثبيت الاستقرار الهش… وليس الإعمار

يؤكد رئيس حركة البناء الوطني أنس جودة في لقاء مع «الأيام» أن إعادة الإعمار لها أكثر من جانب، والمطلوب الآن هو تثبيت الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، ولا يمكن الحديث عن إعادة إعمار كاملة يكون فيها القطاع الخاص قادرا على الاستثمار مالم تنته الحرب.

ويشير جودة إلى أن ما يتحدث به البعض هو قدرة على الحركة في ظل وجود احتلالات متفجرة سواء اقتصادياً أو اجتماعياً، وليست مستقرة وباردة مثل الاحتلال الإسرائيلي للجولان، بينما الصراع في إدلب وشرق الفرات متفجر، وبالمقابل هناك جزء مهم من سورية استطاعت الدولة والجيش أن تثبت فيه الاستقرار، وهي مرحلة فقط من المراحل العسكرية، أي أننا في مرحلة استقرار هش، لذلك فعنوانك اليوم ليس إعادة الإعمار وإنما تثبيت الاستقرار الهش، فلا يجب أن نضحك على الناس.

«بروباغندا» سياسية

ويذكر جودة بأن الحديث عن الإعمار هو «بروباغندا» سياسية، لذا يجب أن يكون العنوان اليوم هو تثبيت الاستقرار من دون داع لتكبير الحجر، لأنك لا تستطيع إعادة الإعمار التي تعني إعمار كل المناطق المتضررة في سورية، وهذا لن يحصل حتى بوجود قطاع خاص محلي ودولي ولا حتى بخطة مارشال، فاليوم نتحدث عن 400 مليار دولار في حين أن أكبر مؤتمر مانحين في العالم، يمكن أن يقدم من 30 إلى 40 مليار دولار وهي لا تغطي نسبة30% من التكلفة الكلية، فتبقى فجوة 70% أمامنا وهو ما يجب تعبئته بعضلات السوريين.

وينوّه جودة إلى أن الاستقرار قائم على بعد أمني وعسكري وسياسي واقتصادي واجتماعي، فالشق العسكري يتولاه الجيش، أما البعد السياسي فما زال هناك مسار دولي شئنا أم أبينا سيبقى يلعب بنا، ما يضطرنا للعمل في هذا المسار بما يرد الأذى عن البلد. ويقصد بالبعد الاقتصادي تحسين ظروف القطاع الخاص السوري، كالضرائب والمعاملات والروتين الإداري والتشاركية مع القطاع العام و مكافحة الفساد، وانتقالاً إلى الشق الاجتماعي وهو الأساس لأنه من دون استقرار اجتماعي فإن كل أنواع الاستقرار الأخرى لن تكون موجودة، وهذه التشاركية كلها غير موجودة ولا نراها، بل بقيت القرارات السامية تصدر من مراكز صنع القرار دون مشاركة الناس فيها، وما زال القطاع الخاص يتحمل عبء الروتين الإداري والعقلية الحكومية التي تنظر إليه كأنه لص وليس كرأسمال وطني يبني البلد، ونحن نعود إلى نفس الحالة التي كنا عليها قبل عام 2011.

برامج التغييرليست «ماروتا سيتي»

ويعارض جودة أن تكون فكرة برامج التغيير هي «ماروتا سيتي»، «فأنا لا أركض لتعمير أبراج يسكن فيها تجار الحرب، أما البرامج التي يبنى عليها فهي تغيير البلد مثل تفعيل التشاركية مع القطاع الخاص واللامركزية الإدارية، ومصالحات حقيقية تستهدف الشرخ الموجود في المجتمع، فنحن أمام أزمة هوية يجب أن نعمل عليها ومن دونها لن يثبّت الاستقرار، وبالمقابل هناك فئات أكثر تضرراً مثل  زوجات الشهداء والشباب ونتحدث هنا عن سياسات تجنيد غير منطقية تخسّر البلد أموال هائلة، لديك مئات الألاف من الشباب خارج القطر يدفعون الأموال بانتظار فرصة دفع البدل، وهم قوة عاملة مهمة وفي نفس الوقت لا فائدة منهم في قطاع الجيش».

 و يقول جودة «هناك تنمية اقتصادية تخص الطبقة المتوسطة مثل مشاريع متوسطة وصغيرة، تعين كل أسرة ويجب ألا يكون هناك مركزية إدارية، فقدرة الدولة على صنع القرارات منعدمة وكفاءتها الإدارية صفر، ولا يمكن عمل خطة مركزية للتنمية في سورية، ففي فترات ماضية كان لدينا وفرة اقتصادية تستطيع من خلالها الدولة تغطية الهدر والفساد، ولا يوجد رؤية لدى الحكومة فآخر رؤية كانت تسمى الخطة الخمسية العاشرة، وعبد الله الدردري كان لديه توجه في حين أن قطاع آخر رفض هذا التوجه وحدث صراع بينهما، ولنتذكر بأن من فجّر البلد هي أفكار مثل حلم حمص، وهو مشروع جميل على الورق لكنه نفذ غصباً عن إرادة الناس فحدث رفض اجتماعي له».

أحزمة الفقروقود لثورة اجتماعية قادمة

ويضيف رئيس حركة البناء الوطني أنس جودة  «نحتاج إلى قرار سياسي وتغيير العقلية الاقتصادية الأساسية التي تدعي حماية الأكثر فقراً، ولكن هي من تجعله فقيراً وتساهم في استمرار فقرهم، يجب أن نبحث عن أمرين: إما استثمارات مباشرة، أي أن يأتي رأس المال بنفسه ويؤسس، وهو أمر لا يتحقق في بلد حرب كما أنه لن يتحقق حتى قبل عام 2011 لأن البيئة الاستثمارية نابذة، أما الثاني فهو مشاركة القطاع الخاص الوطني، أما إعادة الإعمار الحقيقية فهي بناء المعامل والبنية التحتية، فالناس ترى بأم عينها الفساد الذي يعيش في الأبراج، وهي ستبقى في بيوت الصفيح وأحزمة الفقر، وهي وقود لثورة اجتماعية قادمة فلا يجوز التعامل معها بهذا الشكل». 

 من جهته يرى الكاتب السياسي مازن بلال أن إعادة الإعمار عنوان ملتبس ومن الصعب وضع تفاصيل له، فحتى الآن لا يبدو أن هناك بعض الأطراف المتحمسة له، بينما يتم استخدامه إعلامياً للإيحاء بانتهاء الحرب، ومن الصعب وضع تصور حالي له، فكل ما يصدر حكومياً هو لتلبية احتياجات آنية، ومن الناحية العملية نحتاج لاستراتيجية استقرار وتكريس سيادة وليس إعمار، فسورية كانت دائماً تطور وفق احتياجات أمنها وليس تبعاً لخطط واستراتيجيات تنمية عامة فقط.

بقايا الطبقةالوسطى تعيد الإعمار

‏ويعتقد بلال بأن من سيقوم بإعمار سورية هم بقايا الطبقة الوسطى وعلى المدى الطويل، بينما ستظهر استثمارات على هامش هذه العملية، لذا علينا التفكير باستراتيجيات تنمية وإنتاج وقبل كل هذا وضع تصور الأمن والسيادة اللذان سيحكمان كل شيء.

‏ويختم بلال كلامه «من أسف، تاريخ سورية مليء بأحداث خلّفت مدناً ومنشآت فارغة وجغرافيا لا يشغلها البشر… وفي تاريخنا أحداث ودمار دمشق وحلب وغيرها، وإعادة إعمارها كان طويلاً وشاقاً ولم يكن مساحة مريحة أو لإنماء المجتمع، وفي النهاية ليس من مصلحة اي طرف إقليمي أو دولي طرح ما يشبه خطة مارشال، وعلينا اعتياد مرحلة طويلة من الجهد المضني حتى نستعيد بعضاً مما سرقته الحرب».

من جهة أخرى يقول الخبير الاقتصادي بركات شاهين «إن الموضوع بالتأكيد ليس سهلاً و يحتاج بالدرجة الأولى الى إنهاء العملية السياسية وإصلاح تشريعي وقضائي، وبعدها إلى إدارة غير الإدارة الحالية للحكومة والمؤسسات، ثم تنظيف البلد من الفساد وتأمين التمويل اللازم، بعدها وضع خطة وبرامج إصلاح، وبعد ذلك تبدأ عملية إعادة الإعمار، فإذا لم تتخذ خطوات جدية بهذا الاتجاه يبقى الإصلاح شعارا فقط كبقية الشعارات التي نتغنى بها منذ عشرات السنين ، وأنا أشك في توفّر إرادة سياسية حتى الأن للتفكير في مشروع عملاق بهذا الحجم الآن».

الخبيرةالاقتصادية د. نسرين زريق صرحت لـ «الأيام» بأنه للحقيقة لا يوجد خطة لإعادة الإعماربشكل عام وينظر إليها على أنها إجراء إسمنتي، وحتى هذا الإجراء محاصر «بماروتاسيتي» و»باسيليا سيتي»، وهذا يعني أن المتضرر حقاً من الحرب لن يستفيد من بناء مدنجديدة بملايين الدولارات للشقق فيها سوى بدفتر أسهم لا يتقن كيفية تداوله، وعلىالأغلب سيرثه أولاده وقد يتداولون السهم بالبورصة.

في حين تؤكد  زريق بأن المنزل يفترض أن يتم تعويضه بمنزل بالمقابل، وهذه مهمة الحكومة الأساسيةلتخفيض حالات الاستئجار للمتضررين، مما يخفف من حدة الأسعار والمضاربات العقارية،وهنا تطرح زريق تساؤلاً: أين مشاريع وزارة الإسكان التي من المفترض أن تكونالأولوية فيها لتعويض المتضررين بمنازلهم بمنازل ثانية؟ ولو بإعفائهم من الدفعةالأولى على الأقل، وترك التقسيط يتحمل مسؤوليته المتضرر ويسكن بالمقابل بمنزل يقسطثمنه للدولة ويوفر ما يذهب من راتبه للإيجار، هذا إن افترضنا أنه لا يضع كل راتبهوأكثر من ضعفين.

وتنوه  زريق إلى أن المتضررين ليسوا من سيسكن في «ماروتا سيتي»… و»أذكر (ماروتا) هنا لأنهاالمشروع الوحيد لإعادة الإعمار، إعادة الإعمار هي عملية اقتصادية وليست فقطإنشائية، هناك إعادة إعمار للاقتصاد وآخر للتعليم وإعادة إعمار للإعلام وإعادةإعمار للدين و التربية والأخلاق و المجتمع»، مضيفةً أن إعادة الإعمار قد يكونشيئاً جديداً على البلد بعد حرب طاحنة، ولكنه أمر معتاد بكل دول العالم، فأغلبيتهامرت بحروب وتم تأسيس نظريات وقواعد تطبيقية، ومنها الكثير ما يتناسب مع واقعناالسوري ويمكن تطبيقها، ولكن حتى الآن مازلنا نريد أن نترك الأمور للقدر ليخططإعادة الإعمار.

وتعتقد  زريق أن لا حاجة لسورية بشركات أجنبية لتقيم مشاريع إعادة إعمار فيها، أبناؤها منالمقتدرين وأيضاً أبناؤها من المغتربين يستطيعون ذلك، وهم يملكون المال والعقليةالإدارية الناجحة، الموضوع يتطلب فقط شيئين مازالا مفقودين، التسهيلات والتوجيهلما تحتاجه البلاد حقاً.

إعادة الإعمارغير مخطط لها

وتقول الباحثة الاقتصادية «أعتقد أن ما يقال عن إعادة الإعمار مازال ينقصه التخطيط، لا أرى ذهنية إعادة إعمار في الاقتصاد الحالي، بل أرى ذهنية اقتصاد الصيانة، ما يعني الاقتصار على حل المشاكل اليومية وإصلاح هذا الأمر وذاك، سيبقى موضوع إعادة الأعمار شعاراً حتى نرى خطة تنفيذية وحينها نستطيع القول إننا بدأنا».

«تسويق» لإعادة الإعمار

وتضيف زريق «نحن في مرحلة جذب لمشاريع إعادة إعمار حقيقية، ولذلك نتحدث عن الأمر، بينما في الواقع نحن ننتظر استثمارات سورية حقيقية لمرحلة إعادة الإعمار وننتظر تسهيلات وخطة، يعني مازلنا في مرحلة التخيل… يبدو أن الإنسان يتحدث دائماً بكثرة عن أحلامه بما أن الحديث هو أقوال لا يتم ترجمتها لأفعال… لذلك نحن نسوق لإعادة الإعمار لذلك نتحدث عنه كثيراً».

لا يزال الواقع المتردي ينفي فكرة إعادة الإعمار، فكيف لحكومة لم تستطع أن تواجه أزمات متوقعة في كل عام، مثل أزمة الكهرباء ونقص المشتقات النفطية، أن تتحدث عن ملف إعادة الإعمار بكل هذه الثقة؟ مع مخاوف أن يكون البناء في سورية مستنقع وقع فيه العراق بعد الحرب، لذا يبقى الحديث مفتوحاً بانتظار ما يخفيه المستقبل من مفاجآت.

محمد الواوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق