أيام الفن

«التحرش الجنسي» من دون معلم: دراما تقدم «قلة الأدب» بذريعة الترفيه!

عادة كنا ننتظر أن تطرح الأعمال الدرامية قضايا تفيد المجتمع والجمهور المتابع إن كان على صعيد الحكاية أو المضمون الفكري للعمل، حتى في بعض الأعمال الكوميدية كانت الفائدة هي الترفيه والتسلية، لم يرفض أحد الرأي الذي طرحه صناع المسلسلات التلفزيونية بأن الترفيه أحد وظائف العمل الدرامي، الذي سيعرض على التلفزيون بغض النظر عن الجانب التثقيفي.

لكن من غير المنطق أن يكون ما يُقدم للمشاهد العربي وجبات من «قلة الأدب» الشعبي، بحجة الترفيه والاستمتاع، والأسوأ أن يعتقد بعض الكتاب والمخرجين أنهم يسلطون الضوء على قضايا تهمّ المجتمع.

لو استعرضنا ما قدمته الدراما السورية لوجدنا أنها لم تتناول قضية التحرش الجنسي بطرق اتسمت بالموضوعية، لتحليل هذه الظاهرة القديمة الحديثة، وكان تسليط الضوء عليها من باب خدمة تسويق العمل لا معالجة القضية أو الحد منها، فالتحرش بأنواعه اللفظي أو الجسدي أو الإيمائي، لم يطرح كقضية أو موضوع يبحث في جذر التحرش أو يوضح عواقبه أو انعكاساته على المشاهد، بل على العكس تماما قدم بشكل كوميدي خفيف يحرض على الفعل.

يمكن الجزم أن الدراما ظلمت المرأة مرتين، الأولى حين وضعتها كسلعة ضعيفة أو غنيمة يمكن أن تسمع كلمات الغزل التي تتضمن التحرش بأعضاء جسدها أو جمالها أو صفاتها، بمعنى أدق «تشريحها» من دون أن تدافع عن إنسانيتها، والثانية حين وضعتها بدور المتحرش لا الضحية، وكانت تتحرش بالرجل المغلوب على أمره تجاه سطوة جمالها أو مالها، فشاهدناها كيف تتحرش بشكل مباشر من خلال العروض المغرية التي تقدمها لشاب يصغرها في السن كما في مسلسل «عناية مشددة» للمخرج أحمد إبراهيم أحمد، أو في مسلسل «الندم» الذي قدم جفرا يونس بشخصية «رشا»، مرة متحرشة بالكاتب عروة وتخلع له ملابسها، ومرة ضحية تغتصب .

من أسف، لم يدرس صناع الدراما والكتّاب المجتمع السوري بشكل موسع بتناقضاته وشخصياته المختلفة، لكي يستطيعوا طرح هذه القضية الحساسة بشكل جوهري و يتمكنوا من مناقشتها، ونحن لا نطالب الدراما بتقديم حلول لأننا نعرف أن وظيفتها طرح المشكلة لا الحل، لكن على الأقل أن لا تكون أنواع التحرش التي تعرضها، على هامش العمل وتمر مرور الكرام خدمة للتسويق فقط، أو تدافع عن المجرم بدل الدفاع عن الضحية كما حدث في مسلسل «حائرات « للمخرج سمير حسين في حادثة اغتصاب «راغب – مصطفى الخاني» لحبيبته «نورا- جيانا عنيد» فلم يدين العمل شخصية راغب، وجعل المشاهد يتعاطف معها بدل أن ينبذها أو يكرهها، وتُركت الضحية وحيدة تواجه مصيرها بغض النظر عن النتيجة.

حتى في الأعمال التي حاولت طرح ظاهرة التحرش كقضية كما في مسلسل «عصي الدمع»، إخراج حاتم علي، شاهدنا كيف وقف المجتمع جانب الجاني وحاول استعطاف الضحية «المحامية رياض العمري»، التي لعبت دورها الفنانة سلاف فواخرجي، وهو العمل الوحيد الذي حاول إشراك القانون كحامي وضامن لأفراد المجتمع السوري.

وبقي دور القانون غائب في معظم الأعمال الدرامية لحماية الضحية، والضحية لم تستخدم سلطة القانون لحماية نفسها أو ردع هذه الظاهرة، حتى من الناحية الاجتماعية لم نشاهد أي توعية، وردود فعل الضحية وذويها تراوحت بين الصمت أو الانتقام من الضحية لا من الجاني.

الظاهرة لا يمكن اعتبارها جديدة في الدراما، فمن تابع أفلام السينما السورية وأعمال الأبيض والأسود، اطلع كيف كان «التلطيش» بقصد التحرش موجود ولو كان قليلا نسبيا، حتى مسلسل «حمام الهنا» الذي كتبه الراحل نهاد قلعي وأخرجه خلدون المالح، وقف إلى جانب الجاني وأظهر تطرفا غير منطقي في الرأي من ناحية اللباس، وكأن الزي هو من يحرض على «التلطيش» أو يعطي ذريعة للجاني كما جاء على لسان «غوار الطوشة» حين حاولت فتاة ردعه: «لا تطول لسانك»، فأجابها: «لا تقصري تيابك»!!

إذاً قدمت الدراما أشكال التحرش والاغتصاب، بما فيها الإغراء والتمايز الطبقي الذي أجاز دراميا على الأقل استغلال الطبقة الغنية للطبقة الفقيرة، أو التحرش بالخادمات الباحثات عن لقمة العيش، والرشوة الجنسية وبيع الجسد وكله ضد المرأة، وشاهدنا كيف يظهر المخرج الفتاة التي تسير وحدها في الشارع على أنها صيد ثمين، ويجب أن يكون هناك من يتربص بها من دون أن يكون للأخلاق والتربية أو القانون والأعراف أي دور.

أما الكوميديا فقد استطاعت السيطرة على المجتمع وتعليمه كافة فنون «التلطيش» والتحرش اللفظي، ولعل أبرز ما قُدم كان في لوحة «وحياة اللي خالقك ماني مفارقك»، من سلسلة بقعة ضوء بطولة أيمن رضا وكاريس بشار حين تفنن رضا بالتحرش مع كل زي كانت ترتديه بشار، حتى وصل إلى «صابونة» ركبتها وقدمها وصوتها، وفي مسلسل «أبو جانتي» من خلال شخصية أبو ليلى.

 ولن يغيب عن بالنا أيضا ما استخدمته أعمال البيئة الشامية من مفردات وعبارات استعارتها من الأسواق الشعبية، والشوارع، ووظفتها في العمل، علما أن أغلب ما وظف من عبارات كان يتضمن المعاني الخادشة «لحق عالسخن، لا تشلحو بيشلح لحالو هالدرائن، بيضا وطرية هلق استوت البيضا، كول قطايف ما حدا شايف، محلي الأرامل يا جزر، دوا للدوخة يا خوخة، ياما عركوك بالليالي يا معروك، هالفجل محمر شفايفو مفكر ما حدا شايفو، بلدي يا ولدي بيتاكل بلا غسيل يلي بدها جوز».

في النهاية لم تتصدَ أعمالنا الدرامية للظاهرة بقدر ما شجعتها ونشرتها، وكان همها الوحيد جذب الجمهور وتوفير متطلبات السوق، ولن ندري إذا كانت الدراما ستستعين بمفردات بائعي بسطات الملابس، بعد تطور الحياة وانقراض عربات «رؤوس النيفا»، التي حل محلها بسطات الملابس لينادي الكومبارس الأزعر في بيوتنا مع المائدة الرمضانية «ضبّي صدرك بمية ليرة».

لؤي ماجد سلمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق