آخر الأيام

في مديح التصفيق وأهله

بعد أن فشل عدة مرات في قتل نفسه، أمر خادمه أن ينفذ المهمة، وبينما كان يتضرج بدمائه رفع ناظريه إلى السماء صارخاً: «أي فنان سيخسر هذا العالم برحيلي»، وقيل إن علامات الرضا اعترت وجهه حينما ألقى الخادم/ القاتل سكينه وشرع بالتصفيق. حدث ذلك في عام 68 م بعد مرور أربع سنوات على إحراقه روما ليس انتقاماً من جمالها وإنما رغبة منه في استعادة المشهد المسرحي الذي يصف فيه هوميروس حريق طروادة، ليتطاير رماد روما على أنغام قيثارته. كان نيرون (37 ـ 68 م) مسكونا بفكرة أنه ممثل، ومغني وعازف لا يشق له غبار، لذلك فقد جنّد خمسة آلاف فارس وجندي من الجيش الروماني، وأدخلهم إلى مدرسة خاصة لتعليم أصول التصفيق، وكانت مهمتهم الوحيدة هي مرافقته إلى مسارح اليونان، والتصفيق له حتى يبرر للجمهور إقدام لجان التحكيم ـ التي كان يُشكلها بنفسه ـ على منحه جوائزها من دون أن يكون بينهم رجل قادر على أن يصيح « الملك عارٍ يا سادة «. جوائز كانت تتولى كتيبة المصفقين حملها والطواف بها في شوارع روما، إنها …» النيرونية الفكرية»!!

المتتبع للمشهد الثقافي العالمي يلحظ وجود «النيرونية الفكرية» في كل المحافل الثقافية بشكل يدفعنا للقول إن ما من جائزة بريئة بالمطلق، لكن الجوائز تكون حتماً مشبوهة عندما تُمنح من لجان تحكيم يكون أعضاؤها باهتين إبداعياً، ومعينون سلفاً لتلميع أسماء تُطرب طرشان الأدب، والفن والإعلام عبر جوائز تُمنح غالباً لثلة من مجهولي النسب الفكري، كل هذا يُحتمل! لكن الأمر الذي بات «يميز» المشهد الثقافي السوري هو أنّ الغالبية الساحقة من رموزه المشهود لها بالإبداع، والناجية من « النيرونية الفكرية « الرسمية باتت متواطئة معها، في عزوفها عن التصفيق للمواهب الحقيقية، وكأنهم ـ عن قصد أو مباهاة ـ يريدون قولبة المبدع الشاب بقالب المريد أو «الرديد» في حلقات زار تكرسهم «آخر ملوك الإبداع» بدل أن يكونوا «سفينة نوح» تضمن خلود الإبداع السوري وإبداعهم ضمناً.

 التصفيق للمبدعين الصاعدين ـ الذين غالباً ما يكونون ضحايا «النيرونية الفكرية» الرسمية ـ يحتاج للقليل من النُبل وللكثير من الحكمة كي يستمر نسل الإبداع اليوم وغدا وحتى آخر الأيام.

عصام التكروري


 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق