تحت الضوء

على الضفة الأخرى من الدمار.. فنون تنتظر من يُحييها

هي مهنة الصبر في عصر السرعة، هي الحرفة التي تكاد تنقرض وما زالت تبحث عمن يحافظ عليها ويرعاها خوفا من أن تموت بصمت. (حفر وتنزيل الفضة على النحاس) هو الفن الذي ما زال يمتهن من قبل القلّة الصابرة من الحرفيين، لا لشيء سوى لصعوبة هذا العمل، وكالعادة ليس على مهن الرفاهية في ظل الحروب سوى انتظار انتهاء الأزمات، علّها تنهض مجددا معلنة عودتها. بعد طول البحث والتفتيش عن ممتهني تنزيل الفضة على القطع النحاسية، علمنا أنه لا يوجد سوى 3 ورشات في أنحاء دمشق كافة، تمتهن صناعة هذا الفن، خاصة وأن عددا كبيرا من الحرفيين آثر المغادرة وفتح معارض في أماكن أخرى أكثر سلما وإيمانا بالفن. إنها الحرب لم تعط فرصة للنهوض، بل اجتاحت كل ما وصلت إليه. يتحدث الحرفي يوسف الحامض عن مصنعه ومعرضه في فترة ما قبل الحرب، حيث الرفاهية الزائلة. يقول الحامض في حديث لـ «الأيام» «كنا نملك محلا تجاريّا ضخما في عين ترما، كان يأتي عدد كبير من السياح في كل عام. آخر سائح لمحناه كان قبل الأزمة، وأما اليوم فإننا نرى وفودا سياحية لكن جميعها وفود رسمية لم تأت بهدف الشراء، وإنما بهدف الرؤية فقط». وعلى الرغم من وجود رغبة سابقة بتخصيص بناء كامل في باب شرقي للحرفيين الذين يمتهنون حرفا مميزة، إلا أن الحرب أوقفت المشاريع كافة. ويضيف «كنت أملك تحفا فنية ضخمة في معرضي في عين ترما، إلا أن الرصاص المتطاير في تلك الأثناء جعلني أترك وأغادر، واليوم عندما ذهبت لأتفقد تحفي لم أجد إلا الدمار».

مراحل العمل

 يتحدث الحامض عن مراحل العمل لتنزيل الفضة على النحاس قائلا «المرحلة الأولى هي الرسم حيث نقوم برسم الشكل الذي نريده، وأحيانا نقوم بتقسيم القطعة الفنية إلى عدد من الرسومات، فنضع على جزء منها الرسم الهندسي، وعلى الجزء الآخر آيات قرآنية، وعلى الجزء الذي يليه رسوم ورموز، وذلك بحسب رغبة الشخص الذي طلب القطعة، أو بحسب رؤيتنا الفنية»، ويتابع «المرحلة التي تليها هي الحفر، حيث نقوم بحفر سكة لشريط الفضة، وبعد فتح السكّة نقدّر عدد الشرائط المطلوبة، بحيث يغطي هذا العدد المسافة الموجودة، تليها مرحلة الدّمج كي لا يبقى كل شريط لوحده، ومن ثم نقوم بالدّعك كي تظهر الفضّة بشكل مرآة، وإذا ظهر لدينا أي شيء خارج حدود الرسمة نقوم بإزالته، وأما مرحلة التجويف فنقوم بها عندما نريد إظهار أي نفور في الرسمة، وهي تحتاج إلى عمل بشكل أكبر، وبالطبع ستكون مكلفة أكثر، وبعدها مرحلة الريش كي تظهر المعالم كما هي بشكل حقيقي وبارز، لتأتي بعدها مرحلة التلميع».

همومنا

 في الضفة الأخرى من الحرب تقبع هموم الأزمة التي لم تجد من يلمحها بعد، يقول صاحب محل في سوق مدحت باشا «نقوم اليوم بدفع أموال لجمعية الحرفيين كثمن لإقامة معارض، وأما الدعم المباشر لنا من قبل تلك الجمعية فهو غير موجود، فكل فترة تتم دعوتنا لإقامة معرض أو ما شابه، نأخذ أغراضنا وأعمالنا ونذهب لنعود بعدها بلا جدوى». ويتابع «نخشى على مهنتنا من الانقراض، وإذا لم نعلّم أولادنا، لن يتبرّع أحد بنفسه لتعلّم هكذا مهنة، فاليوم هو عصر الموبايلات والنت والفيسبوك، وكل شاب يأتي إلينا يريد مالا بلا عمل، لأنه لا يستطيع أن يصبر ويتحمل». ويتابع «جلستُ أمام أخي الكبير لمدة سنتين ليعلّمني فقط، ولم يكن يسمح لي أن أمارس أي عمل، بل كان عليّ الاكتفاء بالنظر، أما شباب اليوم فلا ترغب حتى بالتعلّم بل تريد رواتب كبيرة ومن دون عمل»، لم نجد داعمين على الرغم من وجود عدد كبير من رجال الأعمال اليوم، الذين يقومون بدفع أموال ضخمة لمجرد الرّغبة في وضع أسمائهم في المعارض والمؤتمرات، نجد في الطرف المقابل، أناسا يكدّون لتطوير حرفهم ولا يجدون داعمين. عند السؤال عن سبب عدم إمكانية المشاركة بمعارض خارجية بهذه التحف الفنية، قال بعض الحرفيين: «نحن لا نملك ثمن تذكرة طائرة، فكيف سنتمكن من المشاركة بهكذا معارض ومؤتمرات خارجية، نحن نعمل لنعيش، وقبل الأزمة لم يكن وضعنا هكذا، إلا أننا وخلال الحرب اضطررنا للخروج بشكل سريع، وتركنا عددا من القطع الجاهزة التي كنا قد أنجزناها، وهو ما تسبب بخسارة كبيرة لنا». على ما يبدو لا بدّ لجمعيات الحرفيين أن تأخذ دورها الحقيقي في حماية الحرف والحرفيين، فالتسويق والمعارض نشاطات لن تجدي نفعا في ظل غياب الحماية الحقيقية لتلك المهن والفنون.

لجين سليمان


 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق