تحت الضوء

أزواج «مسنّون» وزوجات بعمر الأحفاد:

سبي على هيئة «زواج» بمباركة الآباء والمجتمع!

 «يوم زواجي هو يوم دفني كفتاة عاشقة محبة طموحة، وولادة امرأة أو أم كباقي النساء العربيات اللواتي يضحين لتعيش عائلاتهن»، هذا ما بدأته راما (34 عاماً) ، متزوجة من سليم، الرجل السبعيني منذ عدة سنوات، قائلة: «هربت وأهلي من الغوطة منذ حوالي خمس سنوات، كنت مرتبطة بشاب من قريتي قبل اندلاع الحرب على سورية، ونعمل على تجهيز بيتنا للزواج في صيف 2011، لكن هذه الحرب لم تقضِ على فرحة عمري فقط، بل قضت على شبابي كله، فلقد تزوجت برجل يكبرني 36 عاماً لكي أنقذ نفسي وأهلي من حياة التهجير والفقر الذي حل بنا منذ وصولنا للعاصمة».

تتابع راما حديثها بحرقة وألم: «عملت في مشغل للخياطة منذ ثلاث سنوات، وصاحب هذه المشغل هو زوجي حالياً، استطاع أن يستغل فقري وحاجتي، وأن يغري أهلي بممتلكاته، ولو أنها ليست تلك الثروة الهائلة، لكن بعين المهجرين مثلنا كنا نراها أكثر من هائلة، ولعل أخوتي الصغار، بنظراتهم وفرحهم بالهدايا، والأطعمة الذي كان يحضرها هي أكثر ما جعلني أرضى بهذا القَدَر، وأرضخ لطلبه».

زواج كبار السن من فتيات صغيرات، تحولت إلى ظاهرة تدعو إلى القلق، فهم يستغلون الظروف الصعبة لعائلاتهن، والحرب التي لم تترك ولم تذر، وأسوأ نتائجها كانت انخفاض أعداد الشباب الذين استشهدوا في ساحات المعارك، أو هجروا البلاد إلى خارجها لأسباب مختلفة.

دراسة نفسية

تشير الدراسات النفسية إلى أن ظاهرة الزواج من كبار في العمر تعود لحالات نفسية مثل الحرمان من عاطفة الأبوة، نتيجة لفقدان الأب في سن مبكر، أو تعرضها للعنف من قبله، فحينما تكبر تحتاج إلى دور الأب في حياتها، الأمر الذي يجعلها تميل إلى الرجال المتقدمين في العمر، لتجد بهم ما افتقدته.

كما تؤكد الدراسات أنه من الممكن الاتجاه إلى هذا النوع من الزواج نتيجة العلاقات الشبابية الفاشلة، فتتجه الفتاة لمن يكبرها بكثير ظناً منها أن فارق العمر من الممكن أن يُنجح العلاقة.

وأضافت الدراسات أن من أهم النتائج هي الحاجة المادية، فالظروف الاجتماعية التي تؤثر على حالة الفتاة وتشعرها أنها بحاجة تغيير طبقتها وصعودها إلى طبقة أخرى، الأمر الذي يجعلها تفكر أنها بحاجة إلى رجل ينقذها من ذلك، فغالباً ما تتغير حالتها النفسية وتقودها إلى عشق ذلك الرجل فتخدعها نفسها حتى تنال ما ترغب به.

 الرجل لا يعيبه شيء

 تنوعت طرق وأساليب بعض النساء في صيد الرجال، لإيقاعهن في شباكهن والزواج منهم أو زواج بناتهن منهم، فكثير من حالات الزواج حصلت من خلال إعلانهن عن وجود فتيات بعمر الثلاثين وما فوق لتنظيف المنازل، وعن خبرتهن في إتقان العمل المنزلي، يسعين للحصول على زبائن من طبقة اجتماعية متوسطة الحال، فهذه الطبقة تخدم غايتهن الأساسية، وهي لفت نظر صاحب المنزل والإيقاع به، للزواج منه.

والعكس صحيح فكثير من الطرق اتبعها رجال كبار في العمر للحصول على فتيات، بعمر الورد للزواج منهن، مستغلين ظروفهن، لإرضاء ذكورتهم، ظهرت هذه الحالات بكثرة في المخيمات ومراكز الإيواء.

ريم (فتاة في عمر الخامسة والعشرين)، كانت تعيش مع أهلها في مركز إيواء بعد خروجهم من قريتهم بسبب اشتداد المعارك، لم يمض شهرين في المركز حتى «جاء من يستر عليها» على حد قول والدها، «فهي كانت عبئاً علينا بسبب تقدمها بالسن وعدم زواجها، وازداد هذا العبء بعد أن تهجّرنا، وسكنا مع خليط من الناس، كانت سعادتي عارمة عندما تقدم أبو محمد لطلب يدها، ووافقت على الفور لطلبه، ولا يهمني أنه يكبرها 25 عاماً، لأن الرجل لا يعيبه عمره، فهو قادر على إسعادها، وتأمين حياة هانئة لها، وماذا تريد الفتاة أكثر من ذلك»؟!

 أما سميرة فقصتها مختلفة، تحاول البحث عن عمل، بعد وصولها مدينة حلب من ريفها المشتعل بنار الحرب، كانت تجد الإجابة التالية بانتظارها: «ليس لدي عمل لك، ولكن يمكنني أن أتزوجك إن أحببتِ»، مضيفةً أن كل من طرح عليها الزواج هم رجال متزوجون، «وأقل فرق عمر بيني وبينهم هو 25 عاما تقريباً، جميعهم يستغلون حاجتي للعمل، ووضعي الاقتصادي السيء، وأنني وحيدة، منهم من عرض علي الزواج سراً، ومنهم من عرض أن نتزوج لفترة صغيرة مقابل تأميني بمبلغ مالي يكفيني مدة عام». وتقول الفتاة: بقيت أقاوم وحشيتهم واستغلالهم وأعمل نادلة في مطعم صغير، إلى أن جاء اليوم الذي كشر به صاحب المطعم عن أنيابه، بعد تمثيله دور الوالد الحنون عليّ لفترة لا بأس بها، وعرض أن نتزوج بعقد اسمه (زواج المتعة)، فهذا العقد على حد قوله سيجعلني محافظة على وظيفتي عنده، وستطفئ نار حبه وشهوته.

 لم أستطع أن أرفض طلبه، فأنا بحاجة للعمل أكثر من قبل نزوحي، فحينها كنت أملك القليل من المال وبعض قطع الذهب التي تصرفت بها حتى وجدت عملي هذا، ولأنني لا أملك سوى هذا الراتب، وتلك الزاوية في المطعم للنوم بعد الانتهاء من العمل.

الوعي والتوعية…

تقول د. سوسن عدوان «أخصائية اجتماعية» إن هناك عدة أسباب لانتشار هذه الظاهرة وخاصة في الوقت الحاضر، فما مر على المجتمع السوري من أهوال ومصائب ليس سهلا، فالموت الذي أخذ الكثير من شبابه جعل نسبة النساء في ازدياد، إضافة للظروف المادية الصعبة التي عاشتها بعض العوائل وخاصة النازحين منهم، دفعهم لتزويج بناتهم كيفما كان من باب سترهن أولا والتخلص من مصاريفهن، علّهن يعشن حياة هانئة.

 كما توضح عدوان أن سيطرة الذكور هي السائدة في مجتمعنا، لذلك يبررون زواج كبار العمر بعبارة «الرجل لا يعيبه شيئاً»، لذلك نطالب دائماً وابدا بتعليم المرأة، حتى تستطيع أن تعيل نفسها وألا تبقى عبئاً على أسرتها حتى لا يستغل هذا الموضوع ضدها، مشيرة إلى وجود عائلات وأسر تحارب هذه الظاهرة وترفضها مهما كانت الظروف.

 وتقترح عدوان أن على الجهات المختصة بالدولة أن تهتم بالبحوث والدراسات العلمية، المقدمة من الأقسام المختصة في الكليات الطبية والآداب والنفسية، ومعاهد الخدمة الاجتماعية لتشريع قوانين تتلاءم مع العصر الحاضر، الذي وصلنا إليه والذي وصلت إليه المرأة من تقدم وتطور لتحمي حقوق الفتيات، وخاصة صغار السن ولتحد من هذه الظاهرة السلبية على المرأة أولا والمجتمع ثانيا.

 وبينت الأخصائية الاجتماعية أهمية غياب الدور التعريفي والتوعوي لمثل هذه الظاهرة السلبية وغيرها في المجتمع، والذي يتطلب تفعيل دور الجامعة خاصة في الوقت الحاضر، وتنشيط قسم علم الاجتماع في مناقشة هكذا مشاكل، وإيجاد حلول فعالة لها

جودي دوبا


 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق