تحت الضوء

«أريد حقي من إرث أبي»

5 % من عقارات سورية فقط تملكها نساء...العرف الاجتماعي أقوى من القانون الديني في توريثهن

لم تكن سوسن تعتقد يوماً أن أخاها الذي تقاسمت معه رغيف الخبز، سيقف معترضاً على أن يتقاسم معها إرث أبيها، فالقانون الذي سمح له بأخذ ثلثي الإرث لم يقنعه في السماح لها بالحصول على الثلث الباقي، وتبريره لها كان مخيباً أكثر «أبي أراد أن يحرمك»، فالمجتمع الذي يعيشون وسطه يرفض أن تحاصص الأنثى أخوتها الذكور ميراثهم!!

لتجد سوسن نفسها بين نارين، التخلي عن حقها في الميراث، أو خسارة علاقتها بعائلتها ومجتمعها، فيما لو فكرت أن تلجأ إلى القانون…

حالة من حالات لا حصر لها!

سوسن ليست الوحيدة التي تعيش الحرمان من الميراث، كثيرٌ من القرى والمناطق السورية، تعيش هذا العرف الاجتماعي الظالم، فتذهب بعض الإناث في تلك المناطق وتحت ضغط العادات البالية للتنازل عن حقهن في الميراث لصالح الذكور في العائلة، «مجبر أخاك لا بطل»، وفي حالات كثيرة يقطع الأب وحتى الأم، الطريق أمامها في التفكير في ذلك حتى، بأن ينقلوا أملاكهم لأبنائهم الذكور، فلا يكون أمامها إلا الخضوع راضية!

 تونس… القدوة

في تونس اليوم مشروع جاد سيُقرّ قريباً، يساوي بين الأنثى والذكر في الميراث، وفي مصر حراك شعبي للوصول إلى ذلك أيضاً، ونحن في سورية لن نفكر في هكذا قانون قبل أن نطبق ما هو أقل منه بكثير…

تقول القاضية حنان عمرو، إنهم في تونس وصلوا قبلنا لتعديل عدة أمور في قانون الأحوال الشخصية، فمنعوا تعدد الزوجات، وغيروا الكثير من التفاصيل في هذا القانون، ومن الطبيعي اليوم أن يصلوا إلى تعديل الميراث، وبالتالي من الصعب أن نقارن أنفسنا بهم اليوم.

وهنا تجد الناشطة في مجال حقوق المرأة، أميرة مالك أن وضع تونس مختلف تماماً، فهامش الحريات هناك مرتفع، ويسمح بالمطالبة بالحقوق، كما أن الدستور يساوي بين الذكر والأنثى، إضافة إلى وجود العديد من القوانين التي تضمن حق الأنثى.

وتوضح مالك أن تونس ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد وجود قرار سياسي بذلك، وتغيير جذري له علاقة بالحريات والحقوق.

أما الدكتورة إنصاف حمد، أستاذة جامعية وعضو هيئة علمية في مركز دمشق للأبحاث والدراسات «مداد»، فتتوقع أن يتم إقرار مشروع القانون الذي يساوي الأنثى والذكر في الميراث بتونس قريباً، لأن تونس أثبتت أنها سباقة في إقرار كثير من التعديلات التي تتعلق بالمرأة، لافتة إلى أننا نفتقد إلى الجرأة والثقة في طرح هكذا تعديلات تماماً، فلدينا ممانعة ثقافية شديدة ممن يديرون المؤسسات للوصول إلى ذلك.

 قانون مدني

وتشير حمد إلى أن هناك شيئا غير مفهوم في منظومة القوانين السورية، فكل القوانين ماعدا قانون الأحوال الشخصية تستند لمرجعيات مدنية وليس دينية، ففي قانوننا لا نقطع يد أو نجلد، لكننا نتمسك بالمرجعية الدينية في قانون الأحوال الشخصية.

موضحةً أن قانون الأحوال الشخصية موروث من أيام السلطنة العثمانية، ولم يكن هناك استجابة مؤسساتية لأي شكل من أشكال تعديله، وفي عام 2009 كان هناك حراك لتعديل هذا القانون، وشُكّلت لجنة لهذا الغرض، إلا أن النتائج التي وصلت إليها كانت مخيفة وتعيدنا ألف سنة إلى الوراء، وهي أسوأ بكثير من القانون الحالي، لذا تم إيقاف هذه التعديلات.

وتؤكد الأستاذة الجامعية أن قانون الأحوال الشخصية ينظر إلى المرأة بوصفها قاصراً غير كاملة الأهلية وبحاجة إلى ولي أمر، وكل محاولات تعديل هذا القانون لم تلقَ الاهتمام الكافي، واصطدمت بممانعة كبيرة، مثل إجراء تعديلات على الوصاية والولاية على الأيتام، وإعطاء الجنسية لأبناء السورية وغيرها، مضيفةً: نحن بحاجة إلى قانون مدني للأسرة ، لينظم العلاقة بشكل صحيح، فوفقاً لقانون الأحوال الشخصية، الفقه الإسلامي هو مصدر أساسي في التشريع وهناك عدة حالات تكون وفق «قوانين» الطوائف، حيث يصون القانون حريات تلك الطوائف، بدلا من أن يكون هناك قانون مدني لا يميز على أساس الجنس، ويترك لمن يريد التطبيق وفق الشريعة الدينية الحرية في ذلك.

 قانون شرعي… وطائفي

العرف الاجتماعي هو الذي يحكم في بعض المناطق، خاصة فيما يتعلق بالميراث، مثل قرى الساحل والسويداء وبعض الأرياف البعيدة في حمص وفي الشمال السوري، وهو ليس محصوراً بطائفة أو دين محدد، إلا أن نسبته ترتفع عند بعض الطوائف التي يسهم قانون الأحوال الشخصية في تعزيزه لديها، مثلا تنص المادة 306 – من قانون الأحوال الشخصية: «تطبق أحكام هذا القانون على جميع السوريين سوى ما تستثنيه المادتين 307، 308، وتنص المادة 307: لا يعتبر بالنسبة للطائفة الدرزية ما يخالف الأحكام التالية: ح – تنفذ الوصية للوارث ولغيره بالثلث وبأكثر منه، أي أنها تسمح أن يتم حرمان أحد الورثة من الميراث كاملاً، خلافا لما تنص عليه مادة أخرى في قانون الأحوال الشخصية والتي لا تسمح بالوصية بأكثر من ثلث الإرث، أي أنه ووفقاً للقانون من الممكن أن يتم حرمان الإناث من الإرث وفق وصية شرعية بكامل الورثة، وهذا ما يحصل عادة!!

وعن قانون الأحوال الشخصية وتطبيقه تقول القاضي حنان عمرو، إن قانون الأحوال الشخصية يعطي المرأة حقاً في الميراث، ولكن طبعا ليس بالتساوي مع الرجل ولذلك عدة حالات، كما للقانون بنود عديدة ومتشعبة في هذا الموضوع، ومن الممكن للمرأة أن تلجأ إلى القانون في الحصول على حصتها من الميراث، لكن في كثير من الأحوال تجد من يثنيها عن القيام بذلك ممن حولها، فالمجتمع يضغط عليها، وفي المحصلة تحصل «بالتراضي» على حصة أقل فعليا من تلك التي يسمح لها به القانون.

وبدأ هذا الموضوع حسب عمرو، بشكل خاص في المناطق الزراعية، نتيجة عدم قبول بعض العائلات بتوزيع الأراضي على الإناث، خوفاً من ذهاب هذه الأراضي إلى عائلات أخرى بعد زواجهن، ما يضعف العائلة حسب اعتقادهم، إلا أن الموضوع لم يتغير عندما أصبحت الممتلكات عقارات غير الأراضي، فبقي الشائع ألّا تحصل الأنثى على حقها الكامل من الميراث.

مضيفةً: رغم ذلك هناك بعض العائلات في تلك المناطق خرجت عن هذه العادات وهي تعطي نصيب الإناث فيها كاملاً وفق القانون.

 عقارات النساء 5 %

النساء في سورية عموماً لا يحصلن على حقهن في الميراث التي يحددها القانون، والدليل على ذلك حسب ما طرحت إنصاف حمد أن نسبة ملكية النساء للعقارات كانت قبل الأزمة لا تتجاوز 4% فقط وهي اليوم حوالي 5%، ولو أن القانون يطبق فعلا لكانت نسبتها من العقارات بين 30-35%.

وتوضح بأن رجال الدين عندما يتحدثون عن الميراث يتحدثون عن 8 حالات، الحالة الشائعة هي ميراث البنت من أبيها، حيث يحق لها أن تأخذ نصف حصة أخيها، لكن في التطبيق هي لا تحصل على ذلك، وهذا دليل أن العرف الاجتماعي أقوى حتى من النص الديني، لذا فهي لا ترث حتى النصف المنصوص لها.

وتضيف حمد، العرف في كثير من الأرياف أن لا ترث المرأة، فالأب ينقل أملاكه لأبنائه الذكور قبل أن يموت، حتى لا تحصل الأنثى على فرصة للمطالبة بالميراث، وهذا شائع ومرتبط بأن الناس في تلك الأرياف تعتبر الأرض كالعرض ولا يسمح أن تخرج من العائلة.

أما في حال لم ينقل الأب أملاكه لأحد، يتحكم الذكر بالميراث على اعتبار حصته أكبر ويعطيها حتى أقل من حصتها، كأن يرضيها بمبلغ بسيط من المال، فهي عادةً تُحرم من تملّك عقار وبالتالي لا تستطع أن تحصل على قرض أو تبدأ بمشروع.

ومن الممكن أن تخضع المرأة لضغوط اجتماعية تدفعها للتنازل عن حقها بالميراث كعرف اجتماعي، فقلة من النساء مقتنعات أن الحصول على الميراث ليس من حقهن، لكن ضغوط المجتمع تدفعهن للتنازل، وقسم آخر وهنّ الأقل، مقتنعات أن الميراث ليس من حقهن أصلا! وهناك نسبة أكبر تتمسك بحقها وتحصل عليه كاملا نتيجة زيادة وعيها.

لا يوجد حماية

المجتمع المدني من المفترض أن يكون له دور كبير في التخلص من هذه العادات والأعراف، لكنه في الواقع غير قادر على ذلك نتيجة الظروف والمعطيات، وهنا تقول أميرة مالك «كمجتمع مدني، مهما عملنا على تعزيز الوعي لن نستطيع تغيير القوانين، المشكلة تبدأ من عدم مساواة الدستور بين المرأة والرجل، ذلك بالإضافة إلى أن العادات الموروثة أيضاً لا يمكن تغييرها بسهولة».

بالنسبة للميراث ترى مالك أن من حق المرأة أن تحصل على ميراثها، وأن تشعر أنها تنتمي إلى دولة تحميها وتحفظ حقوقها، ولكن، مع الأسف، نساء المناطق الريفية لا يحصلن على ميراثهن، والسبب في الدرجة الأولى أنهن بعيدات عن القانون، وبالتالي حتى لو قررت الأنثى هناك اللجوء إلى القانون لتحصيل حقها، فإنها لن تجد من يؤمّن لها الحماية، فليس لدينا مراكز إيواء للمعنّفات، وإذا ضربها أخوها على سبيل المثال، لو فكرت في تحصيل حقها في الميراث بالقانون، فمن يحميها؟

مؤكدةً، لا نستطيع كمجتمع مدني أن نحثها على المطالبة بهذا الحق، لأننا لا نستطيع أن نقدم لها تلك الحماية، فتشجيعها بهذه الحالة لن يسهم إلا في «خراب بيتها»، لأنها غير قادرة فعلياً على المطالبة بهذا الحق وفق الظروف العامة المحيطة بها.

 تقوقع واعتبارات مقدسة

في السياق ذاته، تقول الدكتورة جورجيت طنوس أخصائية نفسية واجتماعية، إن المشكلة تكمن في أننا في بيئة تعاني من تقوقع المناطق وطقوسها الخاصة، واعتباراتها المقدسة التي لا يمكن النقاش فيها، وتغيير ذلك يكون بقرارات كبيرة من الدولة ابتداءً من الدستور، لتفرض فرضا فيتم الانصياع لها.

وتوضح طنوس بأن التشريعات المتعلقة بالمرأة لم تتطور، إضافة إلى أن العادات والتقاليد المجتمعية تتطور بشكل بطيء جداً، خاصة فيما يتعلق بميراث المرأة، فنحن نحتاج إلى تهيئة وانتفاضة في هذا المجال، لكن الواقع يقول إن ذلك خيالي ومستحيل، وتضيف «صحيح أن بعض الطوائف دينياً تورث المرأة مثل الرجل، لكن ذلك يطبق على نطاق ضيق وليس عام، فهناك ظلم كبير للمرأة وانتهاك دائم لحقوقها، وبالنتيجة تضطر للسكوت لأن أحدا لن يقف معها».

وتلفت طنوس إلى أن المرأة في السابق كانت تعمل في بيتها فقط وتتبع لزوجها وتُظلم، أما اليوم فقد بات الرجال يعتمدون عليها حتى في العمل خارجاً، إلا أنهم وعلى الرغم من ذلك لم يقبلوا إعطاء حقوقها كاملةً.

 الحل!!

الحل لوقف انتشار هذه الظاهرة ليس سهلاً على الإطلاق، ويحتاج إلى جهود في عدة مجالات، وإلى إرادة ووقت، كما تقول القاضية عمرو، ففي النهاية نحن محكومون بمجتمع ذكوري من مصلحته إبقاء القوة للذكر، لذا يحاولون ثني الإناث عن الخروج عن هذه العادات القديمة.

والحل يكون، بالإضافة إلى الوعي، تعديل القوانين التي يجب أن تكون بمستوى الشعب أحياناً، وأحيانا أرقى من مستوى الشعب حتى تضطره للتطور، لافتة إلى ضرورة أن يكون هذا التطور والتعديل تدريجي حتى يتم تقبله والسير وفقه.

ومن وجهة نظر مالك، النساء في سورية يخافون من المطالبة بحقهن لعدم وجود بيئة داعمة لهن، فكثير منهن يعرفن حقوقهن، ولكن خيار المطالبة بها غير متاح بالنسبة لهن.

مضيفةً: عندما تريد المرأة فعلا أن تأخذ حقها في الميراث لابد من وجود منظومة متكاملة تمكنها من ذلك، ابتداء من القانون إلى الحماية، ووجود هامش كاف من الحرية، إضافة إلى التوعية، فورشة عمل هنا أو دورة تدريبية هناك لا يمكن وحدها أن تحل المشكلة.

وتضع طنوس المسؤولية في ذلك على تطوير البنية المجتمعية الأولى مؤكدةً: لا بد أن يكون هناك توعية للمرأة والرجل للوصول إلى صفاء داخلي، يزيل الرواسب البالية من العقل، وهذا يحتاج لوقت طويل. ونستطيع القول إن البنية التحتية المجتمعية غير مهيأة وتحكمها العادات والتقاليد، ولم يكن الفقر هو السبب الوحيد، وإنما كان التسلط الذكوري والخوف من أن تستلم المرأة زمام السلطة سببا أيضاً.

وتضيف بأن الكثير من النساء في تلك البيئات أثبتت وجودها وأبدعت في العديد من المجالات والجميع صفق لها، لكن أحدا لم يعطها حقها في الميراث أو في غيره! وهي نفسها لم تقم بما يجب، ففي الوقت الذي يجب أن تطالب بحقها في الميراث مثلا، تقول «ما بدي وجّع راسي هيك الدنيا ماشية» ففي الاجتماعات والندوات يكون كلام النساء رائعا عن حقوقهن، وعند التطبيق يصبح الموضوع صعباً والقليلات منهن من يبدأن بأنفسهن، وهذه مسؤولية المرأة في الدرجة الأولى، فليس من المنطق أن تنتظر حقوقها من الرجل الذي يسعى جاهدا كي لا يُقطع الحبل الذي يخنقها فيه باسم ذكورته.

 تظلم نفسها…

في النهاية لابد للمرأة أن تتوقف عن ظلم نفسها، بقبولها الظلم، وأن تقف جادةً لتغيير العادات والقوانين التي تحرمها من أبسط حقوقها، بالقول والفعل، فالحفاظ على علاقة جيدة بعائلتها ومجتمعها لا يكون على الإطلاق بالتخلي عن حقوقها، بل برفع سوية وعي تلك العائلة وذلك المجتمع، والعمل على تطبيق القوانين التي تعطيها جزءا من حقوقها، ومن ثم المطالبة بقوانين أفضل.

لودي علي


 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق