أيام الفن

مطــــــر ساخــــن

فات على النقاد السوريين والعاملين في المجال الفني أن زمن الإطناب والتمجيد لأي عمل بات موضة قديمة، وأن هناك من يشاهد الأعمال الدرامية من خارج سورية، وهو حر بالنقد وطرح التساؤلات التي لا تستهوي غالبا صناع العمل الدرامي. الأهم أننا لا نستطيع إغفال أو تجاهل النقد الذي يطرح ويخصّ أعمالنا بغض النظر إن كان أكاديميا أو لا فهو في النهاية مشاهد يمتلك منبرا وله جمهوره الذي يؤثر عليه.

غير أن النقد غالبا ما يكون أدق من برامج التمجيد والإطناب التي تحدثنا عنها سابقا، على الأقل لا تربطه بالمخرج السوري علاقات صداقة وعمل، ولا يقيم في بيت من زجاج حتى يخاف أن يرجم بالحجارة، إضافة الى أنه لا يتبع إلى مؤسسة حكومية أو صحيفة رسمية، الأمر الذي يجعل نقده حرّا وشفافا أكثر من النقاد والصحفيين العاملين في صحف رسمية، ويسعون من خلف مقالاتهم لإرضاء كل الأطراف. ربما يحتج البعض أن هذا النقد غير أكاديمي وغير صادر من صحيفة أو تلفزيون رسمي وهذا غير منطقي بالتأكيد، في الوقت التي باتت فيه وسائط الملتيميديا منتشرة ومتاحة للجميع، وبغض النظر عن الرأي الفردي هناك حجم مشاهدات وإعجاب على ما يعرض، ويعطي تقريرا بعدد المشاهدات، ومن ضغط على زر عدم الإعجاب أو راق له ما شاهد من حلقات نقدية، ناهيك أن البرامج التي تعرض على صفحات النت  متابعة أكثر من الصحف الرسمية ففي عصر «السوشال ميديا « بات المواطن العربي والسوري يتابع ما يعرض على اليوتيوب وشاشات التواصل أكثر مما يقرأ صحف وجرائد أو يتابع محطات فضائية.

«حمصود شو» من نوعية البرامج التي نتحدث عنها وعودنا على نقد الأعمال الدرامية السورية، وآخر حلقاته كانت عن فيلم «مطر حمص» للمخرج جود سعيد وإنتاج المؤسسة العامة للسينما على اعتبار أن الفيلم تمتع بمتابعة جماهيرية، وأخذ «ضجة كبيرة» كما ذكر مقدم البرنامج. لكن عنوان الحلقة كان «كيف يزوّر المخرج التاريخ» لكن من يتابع الحلقة يدرك أن «حمصود» كان يتحدث بمنطق المتربص أو الباحث عن الأخطاء، وخلقها أحيانا، لكن حجته أن فريق الإعداد كان متواجدا في حمص طوال تلك الفترة عام 2014.

البداية كانت بالبحث عن أي تصريح يخص الفيلم أو على لسان مخرجه، ليقدم للمشاهد التناقض بين ما كتب أو قيل وبين المشاهد منذ المقولة الأولى أن العمل «أقسى من أي خيال»، وبين ما قاله المخرج «نقل الواقع كما حصل في حمص، يشبه الواقع بشخوصه بمواقفها من الحياة، بتفاصيل الشخصيات بماهية الشخصيات ومواقفها من الحياة».

صحيح أن هناك أشياء ذكرها مقدّم البرنامج كانت منطقية ووردت في الفيلم «كخروج المحاصرين والسؤال عن لفافة تبغ، ولم يعنيهم لا الجوع ولا العطش ولا الخوف من الموت نتيجة القصف والجوع ووجود المسلحين». أو رجل الدين الذي شاهدناه وشم على يده نقش الصليب، إضافة للشخص الذي اختبئ خلف عمود للهروب من القناص، وكأن القناص رجل خشبي لا يستطيع تحريك قناصته خمسة سنتيمترات يمينا أو يسارا حتى يقتل الهدف، أو عملية التنفس الاصطناعي التي أجراها البطل للبطلة لينقذ حياتها، من دون أن يقوم بفحصها قبل عملية التنفس السريع، أو استخدام التحاميل لخفض حرارة البطلة التي فقدت الوعي، والأهم من كل ذلك الجيش السوري الذي لم يوجد في الفيلم إلا ليؤدي الأغاني ولم نشاهده يحارب، بل كان يراقب الحبيبين بالمنظار الحربي وكأنهما مهمته الحقيقية وسط الحرب الدائرة»، لكن لا أعلم من أين جاء بتزوير التاريخ؟!

المشكلة الحقيقية لا أراها في النقد أو نقد الأعمال الدرامية التلفزيونية، بل في استمرار هذه البرامج التي بات من الصعب إيقافها أو السيطرة عليها، من قبل الحكومات العربية والمخرجين العرب وصناع الفن وبإمكان كل مواطن عربي أن يكون له منبره الخاص، يطرح من خلاله كل وجهات نظره بغض النظر عن صوابها أو صحتها، ويمكن أن يتابعه الكثيرون ويعتبرون أن طرحه هو الصحيح، فالجمهور عموما لم يحلل أو يدرس النقد بل تحول إلى متلق تماما كما علمتنا الدراما السورية. فمنذ بدايات بث التلفزيون السوري، زُجَّت التمثيليات والمسرحيات من دون أن يكون لدينا المعاهد أو الجامعات أو حتى المدارس التي تعلّم فن التمثيل والتشخيص، وتحولت الشخصيات الفردية إلى مدارس تدرّس على اعتبار أن الدراما والحركة والتمثيل تكون حسب تلك المدارس، وهكذا نشأت الدراما التلفزيونية وبدأت تتطور حتى أُنشئ المعهد العالي للفنون المسرحية. أما الفرق بين برامجنا النقدية وتلك البرامج هو التفوق سواء في طريقة الطرح أو الإخراج، فطريقة الطرح النقدية الأقرب إلى الكوميدية والأقرب إلى النكتة تشد المشاهد أكثر للمتابعة فهو في النهاية يبحث عن المتعة ولا يعنيه التحليل المنطقي أو حركة الكاميرا و»الميزانسين» والألوان أو استخدام المخرج للشاريو والكرين في عمله الفني، ولا يعنيه من يقدم البرنامج المهم، في النهاية وجبة ضحك خفيفة تنسيه مشاكله وهمومه اليومية، إضافة لمساحة الحرية التي يتمتع بها وكأنه مسرح «ألوان مان شو» على مستوى الأسلوب الذي يوظف الحركة والإشارة لدعم الطابع الفكاهي.

لؤي ماجد سلمان


 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق