آخر الأيام

طفولة مُفخخَة

في دلالة على القطيعة مع حقبة السّكير يلتسن ،كان أول ما فعله الرئيس بوتين لبعث الأمة الروسية من حطام البروسترويكا و إذلال الغرب هو إعادته الحليب و الزبدة إلى وجبة الطفل الروسي عبر برامج دعم الأسرة التي رأى فيها قاطرة الانتقال من دولة مُدَمَّرة إلى دولة عظمى. تاريخياً ، كانت برامج دعم الأسرة الخطوة الأولى في إعادة إعمار الدول التي دمّرتها الحروب و التجربة الأوروبية ( تجربة بسمارك تحديداً) خير دليل حيث آمن صنّاع القرار بأنَّ صناعة العقول و الحدّ من مستوى الإجرام يبدأ من طفولة سويّة تولد من برامج دعم الأسرة ماديا و نفسيا بشكل يمكّنها من صناعة جيل شاب يبعد عن أوروبا تهمة « القارة العجوز».. في تعاطيها مع الطفولة مازالت الدولُ « النامية « ترى أنَّ الأرضَ لا يضيرها «نمو» المقابر سواء كان سكّانها أطفالاً أو ضحايا لأطفال كنت طفولتهم فصلاً من الجحيم، من هنا فإن برامجها المُعدة لحماية الطفولة تقتصر على تقديم اللقاح و علاج المرضى و دفن الموتى، و ما عدا ذلك فهو يخضع لقاعدة « الإنتقاء الطبيعي «، و النتيجة أنه بوصوله لسن الرشد يكون الطفل قد تشبّع بقاعدة « إن لم تكن ذئباً أكلتك الكلاب»، لتبدأ بعدها مسيرة النهش في جسد المجتمع و الدولة فكيف الحال إذا كنّا أمام جيل من الأطفال نشأ في ظل حرب كالحرب السوريّة، أطفال رؤوا النور في مخيمات اللجوء و مراكز الإيواء ، و تنقلوا ما بين الملاجئ و المنافي ، زحفوا على الحصى و الطين و بين أفخاذهم تحوَّلت أكياس الإغاثة إلى فوط ، سفَّوا التراب و ابتلعوا النمل لقلة وجبات الخبز و الشاي ، وحدهم المحظوظون الذين بدؤوا «بعضضة « الشحاطات البلاستيكية قبل أن يجفَّ حليب الأم، فتلك إشارة على بداية نمو أسنان ستعضُّ على حياة يبدأها « الطفل « شحّاذا بالوكالة ، و من ثم  بالأصالة على الإشارات الضوئية، ليرتقي بعدها أجيرا في «نكش القمامة»، و من ثم ضمّاناً لعدد من الحاويات ، قبل أن تستقطبه شبكات الإجرام ليجد مكانه في دورة العنف اللاحقة … الخراب يتسع للجميع.. طوابير الأطفال الذين كانوا يشترون المازوت بعبوات الكولا الكبيرة كانت من ضمن القشّ الذي أشعلَ الفتنة في سورية، إعادة الإعمار تبدأ بدعم الأسرة  اليوم و غداً و حتى آخر الأيام.

عصام التكروري


 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق