تحت الضوء

«ذهب حلب الزيتي» ارتبط باسم العاصمة التجارية

قطعة مكعبة ومظهر لائق ورائحة عطرة :صابون الغار «الحلبي» يخترق الحدود ويصل للعالمية

لا يمكنك أن تزور محافظة حلب العاصمة التجارية في الشمال السوري من دون أن تجلب من هناك ذكرى تحتفظ بها لنفسك أو هدية قيّمة تقدمها لأصدقائك في مناسبة خاصة، حيث اعتاد زوار محافظة حلب اقتناء ألواح صابون الغار «الحلبي»، باعتباره الأنسب لأن يُقدم كهدية، كون المنتج مرتبط باسم المدينة التي لطالما فاخرت عبر السنين بصناعتها لصابون الغار أو ما يعرف بالصابون الحلبي، إذ كانت حلب قديماً ممراً لطريق الحرير الذي كانت تسلكه قوافل التجارة القادمة من الهند والصين.

واليوم أضحت «قطعة» من صابون الغار الحلبي تقدّم كهدية ثمينة لمحافظات أخرى، بل كسرت حدود السوق المحلية لتخترق حدود سورية وتصل إلى دول أجنبية وأوروبية.

مهنة «أباً عن جد»

سنوات عصيبة تعرضت لها محافظة حلب جرّاء الأزمة التي عصفت بها، هذا ما قاله يزن صابوني لـ «الأيام» أحد مصنعي صابون الغار في محافظة حلب والذي توارث المهنة عن أجداده.

يتحدث يزن عن تاريخ الصابون الحلبي ومآله بعد الحرب، فيقول «كانت بداية العمل مناصفةً بين آل صنصة وبكري صابوني – الجد الأكبر- وخرجت الكثير من المصابِن عن الخدمة، ودُمرت بشكل شبه كلي، وأضاف صابوني: «معملنا تعرض للسرقة بكل محتوياته وعدنا سنة 2017 للعمل بعد توقف دام لخمس سنوات، في حين أن تجار أعمدة حلب مثل زنابيلي والشامي وجبيلي لم يتوقفوا عن العمل خلال السنوات المريرة في تلك المهنة «العريقة»، بل بدؤوا في وضع خطط تشاركية لتنفيذ العمل بدلاً من التوقف النهائي، وذلك مقابل أجر مادي لقاء كل طبخة في مصابن زملائهم، ومنهم من انتقل للعمل في منزله، مستخدماً الختم «النحاسي» لإضافة اسم الشركة على كل قطعة، وجزء منهم غادر إلى منطقة أخرى للعمل فيها كمحافظة دمشق وعفرين وغيرها.

 خلطة نظامية

وأضاف صابوني لـ «الأيام»: في عام 1898 في باب قنسرين كانت بداية العمل، وتم افتتاح الورشة «المصبنة» لتصنيع صابون الغار، حيث تتكون هذه الصناعة العتيقة من مادتين أساسيتين زيت الزيتون ويعرف في المهنة باسم زيت (المطراف) المُستخرج من بذور الزيتون بعد عصرها، بحيث يكون لونه أخضر مائل للسواد ويتم خلطه مع هيدروكسيد الصوديوم (الكوستيك) وينتج الصابون بعد عملية الغليان والمزج والتنشيف، أما بخصوص طبخة الصابون الواحدة فتحتاج إلى 4 طن وربع طن من زيت المطراف مضافاً إليها 650 كغ من الكوستيك يصنّع منها 5 طن من صابون الغار، أي ما يقارب 25 ألف لوح صابون، في حين يبلغ وزن 5 ألواح منه حوالي كيلو غرام واحد.

 أسرار النجاح

أما بخصوص ارتباط صناعة صابون الغار بمحافظة حلب وعدم وجود منافسين لها في أماكن أخرى، يوضح صابوني أن توفر المواد الأساسية وعامل الجو المناسب أثمرا منتجاً مميزاً، بحيث تتواجد أغلب أشجار الزيتون في عفرين وإدلب، إضافة إلى أن الجو المناسب الذي يحتاجه المنتج الزيتي هو البارد الجاف في الشتاء للصناعة، أما في فصيل الصيف فيحتاج إلى جو جاف للتنشيف، منوهاً أن بعض المصنعين حاولوا تقليد صابون الغار الحلبي في محافظة طرطوس لكن المحاولة باءت بالفشل ولم تعط الجودة ذاتها بسبب عدم انسجام المنتج مع حالة الطقس.

«الغار» مرغوب بالطريقة اليدوية    

من المعروف أن السياح يسعون لاقتناء الزعتر وصابون الغار الحلبي عند زيارتهم لمدينة حلب، لكن بسبب ظروف الحرب هناك، فإن أغلب السياح يتوجهون إلى دمشق لشراء الصابون المستورد من حلب، حيث التقت «الأيام» أنس جزايرلي تاجر صابون غار في سوق مدحت باشا، أوضح أن تجارة صابون الغار لم تتوقف عن حركة البيع والشراء، فأغلب السياح يطلبون صابون الغار «الحلبي» في مقدمتهم العراق والصين، وأكد أن لوح صابون الغار هو منتج طبيعي بنسبة 100% ومصنّع يدوياً ومرغوب بشكل كبير من المستهلك الأجنبي، في حين يبتعد السائح الأجنبي عن شراء الصابون الصناعي المعطر بالورد والياسمين وعطر العود والعنبر والعسل المفيد لتنظيف البشرة والمضاف بالملونات، إلاّ أن الزبون الأجنبي يرغب بالصناعة المحلية «اليدوية» المعروفة قديماً، أما بالنسبة للتطور الذي شهدته مهنة صابون الغار فقد تم تصنيع المزيج السائل (الشامبو) من صابون الغار لكنه بجودة أقل بالإضافة إلى وجود معطرات وملونات وروائح مختلفة، لكن في النهاية يبقى صابون «الغار الحلبي» المنتج تقليدياً يحتل المرتبة الأولى في رغبة السائح.

تضرر 60 من أصل 70منشأة

رئيس لجنة صناعة صابون الغار في غرفة صناعة حلب هشام جبيلي قال لـ «الأيام»: إن «تجمع المصابن الحلبية في سوق حلب القديمة التي خرجت عن السيطرة دفع الصناعيين للعمل في منازلهم، أو الانتقال إلى مناطق آمنة، فقد تضرر حوالي 60 من أصل 70 منشأة، لكنها عادت للإنتاج وشهدت تحسنا ملحوظا مع العودة التدريجية لشيوخ الكار، حيث أقلعت في السنة الماضية 4 مصابن واليوم وصلت لحوالي 11 مصبنة عاملة في حلب، وذلك بجهود غرفة صناعة حلب التي تسعى لإيجاد الحلول المناسبة، وتدعم الصناعيين في ترحيل الأنقاض بالتعاون مع بلدية حلب، لإعادة دوران عجلة الإنتاج لتلك المهنة العريقة.

قطعة مكعبة ومظهر رائع

ما يميز الصابون الحلبي مظهره الرائع وقطعه المكعبة بحيث يزن كل لوح منها 200 غرام تقريباً، منوهاً أن جودة صابون الغار يعتمد على ارتفاع نسبة زيت الغار في اللوح الواحد، أما بالنسبة إلى فارق الأسعار، أوضح أن سعر الكيلو ارتفع عشرة أضعاف، فقد بلغ سعره قبل عام 2011 إلى 75 ليرة للكيلو الواحد من «الصابون الصاغ التجاري» أما اليوم فيصل إلى 1000 ليرة سورية، وبالانتقال إلى المعوقات التي تقف أمام مهنة تصنيع صابون الغار، فقد أشار حبيلي إلى أن المعابر ترفع من سعر الليتر من زيت (المطراف) المقدر ب 300 ليرة من عفرين، ويصل إلى مدينة حلب بسعر 500 ليرة، بحيث ترتفع حوالي 40% من سعره الحقيقي، الأمر الذي يؤدي لارتفاع السعر على المستهلك المحلي، ناهيك عن المنافسة المطروحة من التجار الذين غادروا حلب إلى تركيا، مطالباً تسهيل نقل زيت الغار «الحراجي» إلى مصابن حلب، والبحث عن آلية مناسبة مع مديرية الجمارك لتسهيل عملية نقله خصوصاً بعد انتقال الصابون الغار من السمعة المحلية «البلدية» إلى العالمية.

نتيجة الظروف الراهنة التي تشهدها البلاد بدأنا نشهد في الأسواق المحلية أنواع «نخب عاشر» من صابون الغار الممزوج بزيت القلي والشحوم، إضافة للمعطرات والعمل على طبخها في المنازل بعيداً عن أعين الرقابة، كما أن المقلدين «الجشعين» وفي أماكنهم الخفية يسعون لتقليد صناعة الصابون الغربي «الفاخر» الذي يتكون مما يزيد على 20 مكوناً دهنياً ومن بينها بعض المواد الكيميائية.

وأمام هذا الحال من المنافسة غير الشريفة، يبدو السؤال ملحاً: هل سيبقى صابون الغار «الحلبي» مرتبطاً بالمدينة الأولى التي وجد فيها؟

 

أنطوان بصمه جي


 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق