دين ودنيا

الزكاة في سورية أصغر من منابع الفقر!

عصر الزكاة في الدراما فقط!!!

وسام النمر

أليس الله سبحانه فرض الزكاة من أجل أن تُحلّ مشكلة الفقر؟

ولسائل يسأل طالما أن الله سبحانه فرض الزكاة، ورغم قيام البعض بأداء الزكاة وإضافةً لها أداء الصدقات والنذور، لماذا لا يزال الفقر موجوداً في المجتمعات الإنسانية؟!

 

هل لأن عصر خليفة المسلمين هارون الرشيد أصبحنا وأمسينا نراه على شاشات التلفاز وبين كتب التاريخ فقط

وقولاً لا فعلاً؟

ففي عصره كانت بغداد قبلة الأطباء والمهندسين وسائر الصناع، وكما كتب جُلّ المؤرخين فإن بلاد الهند والصين وأوروبا أرسلت إلى بلاطهِ تخطب ودّه، وتطلب صداقته، بعد أن خاطب السحابة قائلاً: أمطري أنَّى شئتِ، فسيأتيني خَراجُك، فتجاوبت معه السماء خجلى من كثرة أموال الزكاة، وخجلى من المساجد الجامعة التي كان كثير منها أشبه بالمدارس العليا، وخجلى من حرية الرأي والمناقشة، وثراء الجدل والحوار المعتدل والسمح.

كما أن في عصره، الذي ربما يصح أن أقول عليه عصر الزكاة الذهبي، أرسل فيه الرشيد الساعة المائية إلى شارلمان، وهي مصنوعة من النحاس الأصفر بارتفاع نحو أربعة أمتار وتتحرك بواسطة قوة مائية، وقد أثارت الساعة دهشة الملك وحاشيته، واعتقدوا أن في داخل الساعة شيطان يسكنها ويحركها، وجاؤوا إلى الساعة وأحضروا معهم فؤوساً وحطموها إلا أنهم لم يجدوا بداخلها شيئاً سوى آلاتها، وقد حزن الملك شارلمان حزناً بالغاً واستدعى حشداً من العلماء والصناع المهرة لمحاولة إصلاح الساعة وإعادة تشغيلها، لكن المحاولة فشلت، فعرض عليه بعض مستشاريه أن يخاطب الخليفة هارون الرشيد ليبعث فريقاً عربياً لإصلاحها فقال شارلمان: “إنني أشعر بخجل شديد أن يعرف ملك بغداد أننا ارتكبنا عاراً باسم فرنسا كلها”.

 ازدهرت الدولة في عصره ازدهاراً اقتصادياً غير مسبوق، وكان الرشيد حريصاً على تحري الوجوه الصحيحة في إنفاق هذه الثروة الهائلة التي تدفقت على خزانة الدولة‏، ولهذا طلب من قاضيه أبو يوسف أشهر تلاميذ الإمام أبي حنيفة النعمان أن يكتب له كتاباً يتناول فيه كيفية إدارة الشؤون المالية والاقتصادية للدولة من الوجهة الشرعية‏. وكتب له أبو يوسف كتاب الخراج الذي مازال مرجعاً في موضوعه حتى يومنا هذا‏،‏ والجدير بالذكر هنا أن الرخاء الاقتصادي الذي تمتعت به الدولة العباسية في عهد الرشيد انعكس على عاصمة الخلافة بغداد التي أصبحت أكثر مدن العالم بهاءً وعظمةً وتفوقت على مدينة القسطنطينية عاصمة الامبراطورية البيزنطية‏.‏

فالسؤال الأهم هنا – لماذا لم يستمر عصر الرشيد الذي جفف منابع الفقر من خلال تأدية الحقوق والواجبات ومن أهمها الزكاة؟

“الأيام” التقت فضيلة الدكتور عبد الله كتمتو – نائب رئيس اتحاد علماء بلاد الشام – للحديث معه حول هذه الإشكالية فقال: الله سبحانه افترض في أموال الأغنياء ما يسع الفقراء. وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في المعنى الضمني لهذا الحديث أنه طالما أن الأغنياء ومن هم مكلفون بأداء الزكاة قاموا بدفع ما ترتب عليهم من ذمم في أموالهم كما قال الله عز وجل (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم). ولطالما دفعوا هذا القدر فإن الأصل أن تلغى ولو بشكل عام مسألة الفقر، لكن عندما نرى أن مشكلة الفقر لا تزال مستمرة أقول: لربما أنه كان هناك أشخاص كثر ممن افترض الله عليهم الزكاة لا يدفعون الزكاة أبداً، وربما هناك البعض يدفع الجزء اليسير من الزكاة ولا يدفعها كاملةً، وربما أن هناك من يدفع الزكاة إلى من هم ليسوا بحاجة إلى الزكاة.

يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف

يوضح الدكتور عبد الله أن وصف الفئة التي تستحق الزكاة في القرآن الكريم هو: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ…)، أي يجب أن يتوفر في الآخذ تلك العفة فلا يتعرض لأخذ مال وهو لا يستحق، فهناك من يأخذ وهو لا يستحق وهذه إحدى الأسباب الرئيسية في هذه المسألة، أن هذا الفقير ربما يكفيه قدراً معيناً ولكنه من شدة طمعه يأخذ. أيضاً هناك من يأخذ الزكاة ولا يضعها في الموضع الصحيح الذي يجب أن يصرفها فيه، ورغم أنه يتلقى الزكاة لكنه لا يحسن التصرف بها ويصرفها في غير محلها، فيبقى فقيراً ولا يرتفع الفقر عنه.

الهدف من الزكاة تجفيف منابع الفقر:

 يؤكد فضيلته أنه يجب أن نغني الفقراء بالزكاة، ونبحث دولياً كيف يمكننا أن نقلل من عدد الفقراء وفي كل سنة نتوجه لفئة معينة، لا أن نبقي الفقير على فقره. هناك بعض من يدفعون الزكاة، ومع الأسف، يدفعون قدراً لا يكفي قدر إنسان ولو ليوم واحد، ويقسّم المائة ألف التي ترتبت في ذمته على مئة عائلة، بحيث تحصل كل عائلة على ألف ليرة سورية!

 ماذا سوف تصنع هذه الألف ليرة في هذا المنزل! سوف تبقي هذه العائلة وأمثالها على خط الفقر!

 الإسلام له سياسة في تجفيف منابع الفقر بحيث يعطى الإنسان الذي يستحق الزكاة مالاً بحيث يكفيه، ويصبح في العام القادم هو ممن يدفعون الزكاة لا من يأخذون الزكاة، فيجب أن تكون سياسة دفع الزكاة إلى من يستحق، سياسة تجفيف للفقر ثم بعد ذلك تتحرك هذه الأموال في السنة القادمة إلى من هم أولى وأولى.


مقالة ذات صلة :

مـــاذا بقــي مــن «أخــلاق الصائـــم» خـــلال الشهـــر الفضيـــل؟

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق